هناك وجع لا يُقاس بحجم الدمار الذي أصاب البيت، ولا بعدد الحجارة التي سقطت من جدرانه. وهناك وجع أعمق من الحرب ذاتها وأخطر من الاحتلال عينه، هو "القلق". فحين يبدأ الإنسان بالتفكير في قريته الواقعة في منتصف الطريق بين الاحتلال والاحتلال، لا بوصفها المكان الذي سيعود إليه، بل بوصفها المكان الذي قد يضطر إلى زيارته ثم مغادرته إلى مكان آخر، لا يعرف إن كان ذلك المكان سيصبح وطنًا بديلًا له.
ففي القرى التي لم يشملها الاحتلال الإسرائيلي المباشر، آثر بعض الأهالي عدم الإقامة فيها بصورة دائمة، أو حتى عدم زيارتها إلا عند الضرورة، خشية تجدد الحرب وامتداد الاحتلال. وأصبح السؤال حاضرًا في وجدان بعض العائلات: ماذا لو اندلعت الحرب من جديد؟ ماذا لو أصبحت قريتنا غدًا واحدة من القرى التي لا يستطيع أهلها الوصول إليها؟
وهكذا يبدأ الإنسان، وسط هذا القلق، في تهيئة نفسه نفسيًا ليس لاحتمال خسارة مسقط رأسه فحسب، بل لخسارة الجنوب كله. وهي خسارة لا تعني فقدان منزل وحقل فقط، بل اقتلاع علاقة عمرها أجيال بين الإنسان وأرضه. والأشد إيلامًا أن بعض الذين يزورون قراهم اليوم لا يذهبون إليها مطمئنين إلى أنهم عادوا إلى بيوتهم، بل يحملون في داخلهم سؤالًا صامتًا: هل ستكون هذه الزيارة الأخيرة؟
أي وطن هذا الذي يصبح فيه صاحب البيت غير واثق من أن الطريق الذي يسلكه اليوم سيبقى مفتوحًا غدًا؟ وأي علاقة تبقى بين الإنسان وأرضه عندما يصبح الوصول إليها مرتبطًا باحتمالات الحرب والاحتلال والدمار؟
لكن مأساة الجنوبي لا تتوقف عند حدود القرية. فحين يغادر الإنسان بيته، لا يغيّر عنوانه فقط، بل تتبدل معه تفاصيل حياته وعائلته وعلاقاته.
فالذين احتُلّت قراهم أو تعذّر عليهم الوصول إليها وجدوا أنفسهم موزعين بحسب قدراتهم الاقتصادية. بعضهم استأجر منزلًا في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعضهم اتجه إلى الشوف أو المتن أو مناطق أخرى، فيما استطاع آخرون شراء شقة. ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر متعلقًا بمكان السكن فحسب، بل بشكل الحياة التي ستنشأ في هذه الظروف.
في قرى الجنوب، من المألوف أن يعيش الإخوة وأبناؤهم وأقاربهم في بناية واحدة أو في حارة واحدة؛ يتقارب الأطفال، وتبقى أبواب العائلة مفتوحة على بعضها بعضًا. كان ابن العم جارًا، والخال قريبًا، والجد محاطًا بأبنائه وأحفاده، وكانت الأفراح والأحزان والمناسبات تجمع الجميع في المكان نفسه.
أما اليوم، فقد توزعت هذه العائلات بين مناطق مختلفة، كل بحسب قدرته المادية وظروفه. لم يعد ابن العم جارًا، ولا الزيارة اليومية ممكنة، وأصبح ما كان حارة واحدة عناوين متعددة. وإذا طال الوضع، فقد يستقر أحد الأبناء في عمل جديد، ويدخل أولاده مدرسة جديدة، فيما يبدأ شقيقه حياة مختلفة في منطقة أخرى.
لذا لا يعود التشتت مجرد نتيجة جانبية للأزمة، بل يمس شكل العائلة نفسها. فالأطفال الذين كانوا يكبرون إلى جانب أبناء أعمامهم وأخوالهم لم يعودوا يلتقون يوميًا، فيما وجد كبار السن أنفسهم بعيدين عن أبنائهم وأحفادهم. وقد تعود البيوت إلى الإعمار، لكن إعادة الحياة إلى ما كان يجمع أهلها تحتاج إلى أكثر من الإسمنت والحجر.
ومع ذلك، فإن هذا القلق لا يلغي قدرة الجنوبي على الصمود النفسي؛ فالتشبث بالأرض لا يبدأ بإعادة بناء الحجر وحده، بل يبدأ أيضًا بالحفاظ على الإيمان بأن العودة ممكنة، وأن ما يمر به اليوم ليس قدرًا دائمًا.
وتزداد المأساة عندما يواجه بعض النازحين اعتراضات على شراء شقق أو استئجار مساكن أو الإقامة بصورة دائمة في مناطق أخرى، سواء اتخذت هذه الاعتراضات شكل إجراءات محلية أو ضغوط اجتماعية. وهذه الوقائع، حين تحدث، لا يمكن اختزالها في خلاف عقاري أو إداري؛ فالإنسان الذي فقد بيته أو أصبح عاجزًا عن الوصول إليه قد يجد نفسه أمام رسالة أشد قسوة: أنت مرحب بك كضيف، لكن وجودك الدائم ليس بالضرورة مقبولًا.
وهنا تخرج مأساة الجنوبي من بعدها الإنساني إلى سؤال لبناني أوسع يتعلق بطبيعة المجتمع نفسه. ففي الأزمات، تظهر أحيانًا حساسيات مناطقية وطائفية لم يتجاوزها اللبنانيون، للأسف، فإذا بها تشتد لتطفو إلى السطح عندما يضعف حضور الدولة ويصبح المواطن مضطرًا إلى البحث بنفسه عن الأمن والسكن والاستقرار.
فالجنوبي، عندما يبحث عن سقف يأوي عائلته، لا يفترض أن يدخل إلى أي منطقة لبنانية بوصفه ممثلًا لطائفة أو بيئة سياسية. هو أب يبحث عن مدرسة لأولاده، وأم تريد أن تنام بأمان، ومسنّ يريد أن يكون قريبًا من أبنائه، وشاب يريد أن يعرف أين سيبني مستقبله. والجنوبيون ليسوا فئة واحدة؛ فيهم الموظف والطبيب والمربّي والقاضي والمحامي والمهني والفنان والتاجر والمزارع، وفيهم المغترب الذي بقيت قريته جزءًا من ذاكرته وانتمائه.
ولذا يصبح السؤال أكبر من الجنوب نفسه: أين هي الدولة عندما يفقد المواطن بيته؟ ومن يحمي حقه في السكن عندما يبحث عن مكان آخر داخل وطنه؟ ومن يمنع أن تتحول الظروف الاستثنائية إلى تغيير دائم في الخريطة الاجتماعية للبنان؟
ولذلك تتجاوز مسؤولية الدولة والقوى السياسية صاحبة التأثير الأكبر داخل البيئة الجنوبية حدود الإغاثة والمساعدات وشعارات الصمود. فالدولة، في معناها الأعمق، ليست فقط تحصيل الضرائب والرسوم أو إدارة الكارثة، بل حماية المواطن وتأمين حقه في السكن والأمان والاستقرار داخل وطنه. وفي المقابل، تقع على القوى السياسية مسؤولية طرح السؤال الأهم: كيف يبقى الإنسان الجنوبي في أرضه؟ وكيف يمكن منع الظروف التي فرضتها الحرب من التحول إلى واقع اجتماعي دائم؟
وهنا يكمن الخطر الأعمق: ليس فقط أن تهدم الحرب قرية، بل أن تبقى القرية قائمة بينما يبدأ أهلها بالتكيف مع العيش خارجها. عندها قد تتحول القرية تدريجيًا من مكان للحياة إلى مكان للذكرى.
ولهذا فإن قضية الجنوب ليست قضية حجارة تُرمَّم، ولا تعويضات تُدفع، ولا أرقام نازحين تُسجَّل. إنها قضية إنسان يريد أن يعيش بأمان في أرضه، وعائلة تريد أن تستعيد قربها، وقرية تريد أن يبقى أهلها فيها، ووطن ينبغي ألا يشعر فيه المواطن، حين تضطره الحرب إلى مغادرة بيته، بأنه أصبح غريبًا عن بقية أهله.
فالخطر الحقيقي ليس أن يغيب الجنوبي عن قريته لبعض الوقت، بل أن يطول الغياب حتى يصبح الغياب حياة، وتصبح الصور القديمة بديلًا عن تفاصيل كانت تُعاش كل يوم. فبين حرب تهدم بيته، وأبواب تُغلق في وجه استقراره في مناطق أخرى، قد يجد الجنوبي نفسه أمام خيار أشد قسوة: الهجرة خارج لبنان، لا بحثًا عن وطن بديل، بل عن مكان يستطيع فيه أن يعيش بأمان ويحفظ مستقبل أبنائه. عندها لا تكون الحرب قد هدمت البيوت فقط، بل تكون قد دفعت الإنسان بعيدًا عن المكان الذي صنع ذاكرته وحياته. وحين يقف الجنوبي أمام بيته ويسأل نفسه: "هل ستكون هذه الزيارة الأخيرة؟"، فهو لا يسأل عن بيت من حجر، بل عن عائلته، وعن قريته، وعن مستقبل أبنائه، وعن حقه في أن يعيش حيث وُلد وعاش أهله قبله.
أن يبقى له بيت.























































